صديق الحسيني القنوجي البخاري

61

فتح البيان في مقاصد القرآن

أفضلها قول لا إله إلا اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان » « 1 » أخرجه الشيخان عن أبي هريرة . ولشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السّلام كلام في معنى الغيب وعالمه في كتاب العقل والنقل حاصله أن من زعم أن عالم الغيب الذي أخبر به اللّه والرسل هو العالم العقلي الذي يثبته هؤلاء الفلاسفة فهو من أضل الناس ، فإن ابن سينا ومن سلك سبيله في هذا كالشهرستاني والرازي وغيرهما يقولون إن الإلهيين يثبتون العالم العقلي ويردون على الطبيعيين منهم الذين لا يثبتون إلا العالم الحسي ويدعون أن العالم العقلي الذي يثبتونه هو ما أخبرت به الرسل من الغيب الذي أمروا بالإيمان به مثل وجود الرب والملائكة والجنة ، وليس الأمر كذلك ، فإن ما يثبتونه من العقليات إذا حقق الأمر لم يكن لها وجود إلا في العقل ، وسميت مجردات ومفارقات لأن العقل يجرد الأمور الكلية عن المغيبات ، وأما تسميتها مفارقات فكان أصله أن النفس الناطقة تفارق البدن وتصير حينئذ عقلا وكانوا يسمون ما جامع المادة بالتدبير لها كالنفس قبل الموت نفسا وما فارقها بالكلية فلم يتعلق بها لا تعلق تدبير ولا غيره عقلا ، ولا ريب أن النفس الناطقة قائمة بنفسها باقية بعد الموت منعمة أو معذبة كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها ثم تعاد إلى الأبدان . والمقصود هنا أن ما يثبتونه من العقليات إذا حققت لم يكن إلا ما ثبت في عقل الإنسان ، ولهذا كان منتهى تحقيقهم الوجود المطلق ، وهو الوجود المترك بين الموجودات . وهذا إنما يكون مطلقا في الأذهان لا في الأعيان ، والمتفلسفة يجعلون الكلي المشترك موضوع العلم الإلهي ، وأما الوجود الواجب فتارة يقولون هو الوجود المقيد بالقيود السلبية كما يقوله ابن سينا ، وتارة يجعلونه المجرد عن كل قيد سلبي وثبوتي كما يقوله بعض الملاحدة من باطنية الرافضة والاتحادية ، وتارة يجعلونه نفس وجود الموجودات فلا يجعلون للممكنات وجودا غير الوجود الواجب ، وغايتهم أنهم يجعلون في أنفسهم شيئا ويظنون أن ذلك موجود في الخارج ، ولهذا يمدهم الشياطين ، فإن الشياطين تتصرف في الخيال وتلقي في خيالات الناس أمورا لا حقيقة لها ، ومحققو هؤلاء يقولون أرض الحقيقة هي أرض الخيال . وأما ما أخبرت به الرسل موجودة من الغيب ، فهو أمور ثابتة أكمل وأعظم مما نشاهده نحن في هذه الدار وتلك أمور محسوسة تشاهد وتحس ، ولكن بعد الموت وفي

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 3 ، ومسلم في الإيمان حديث 57 ، 58 ، وأبو داود في السنة باب 14 ، والنسائي في الإيمان باب 16 ، وابن ماجة في المقدمة باب 9 ، وأحمد في المسند 2 / 414 ، 442 .